محمد عبد الله دراز
223
دستور الأخلاق في القرآن
واجباته ، وفق ما يلائم طبعه ، واستعداداته ، ومطامحه فحسب ، بل إنّ لنفس الشّخص أن يضع مبادئه وأحكامه ، بصورة مستمرة ، تحت الفحص ، وأن يهدم في كلّ لحظة ما بناه في لحظة سابقة . ألسنا نلقي بأنفسنا في غمار الهوى والاعتساف حين نسلمها على هذا النّحو لحياة مضاعفة من الفوضى ؟ . . على أنّ هذه ليست أهم نقطة ، بل إنّ من الواجب أن نسأل أنفسنا عن مبدأ التّجربة نفسه ، كقوة قادرة على هداية الضّمير ؟ إنّ التّجربة تعتمد على « الأحداث » ، ولكن الضّمير « يتغذى من القيم » ، فبأية عملية سحرية يمكن تحويل جانب إلى آخر ؟ . . ولا بد أن يعرف « روه » : أنّ الحكم « القيمي » لا يمكن أن يخرج من مجرد الحكم « الواقعي » ، في أية صورة تمثّل هذا الواقع ، موضوعيا كان أو شخصيا ، بسيطا أو مركبا ، ماضيا ، أو حاضرا ، أو مستقبلا . ففيما يتعلق بالماضي والحاضر - تتلخص كلّ ثمرة بحثنا التّجريبي في هذه الملاحظة البسيطة الّتي تقرر : أنّ أي عمل قد صحبه أو لحقه دائما أثر معين ، فنحن نسجله ، ونحيط به علما ، لا أكثر . ولا شك أننا حين نحكم بأنّ أثرا من الآثار حسن ، أو سيّئ فنحن نميل إلى ذلك الحكم ، بل ويدعونا إليه العمل الّذي هو سبب فيه . ولكن ، ما الّذي يدفعنا في الواقع إلى أن نحكم على الأثر هكذا ؟ . إنّ تجربتنا لو أمكنها أن تنتهي إلى حكم تقديري كهذا ، وهي ( تنصب ) فيه ، فإنّها ليست على أية حال ( منبعه ) ، بل هي مجرد مناسبة له . فنحن لا نستطيع مطلقا أن نستنتج من حدوث ظاهرة ما - أنّ هذا الحدوث في حدّ ذاته يرضينا ، أو